الشيخ محمد رشيد رضا
187
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
جعلها في المنافقين كما قيل ، فان هؤلاء سيأتي الكلام فيهم . وما من أمة الا وفيها الضعفاء والأقوياء في الايمان وغيره . وقد بين ظنهم بقوله ( يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ ) فنلام أن ولينا وغلبنا ؟ يعنون أنه ليس لهم من أمر النصر وعدمه شئ فإنهم فهموا مما وقع يوم بدر أن النصر وحقية الدين متلازمان وعجبوا مما وقع في أحد كأنه مناف لحقية الدين ، وهذا خطأ عظيم ، أي فان نصر اللّه لرسله لا يمنع أن تكون الحرب سجالا والعاقبة للمتقين . أقول : وسيأتي بيان ما جرى عليه جمهور المفسرين مخالفا لهذا ( قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ) لا أمر النصر وحده ، أي إن كل أمر يجرى بحسب سنته تعالى في خلقه ونظامه الذي ربط فيه الأسباب بالمسببات ومنه نصر من ينصره من المؤمنين ( يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا ) أي لو كان أمر النصر والظفر في أيدينا لما وقع فينا القتل ههنا ، يقررون رأيهم ، ويستدلون عليه بما وقع لهم ، غافلين عن تحديد الآجال ولذلك أمر اللّه نبيه أن يجيبهم بقوله ( قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ ) أي لو كنتم وادعين في بيوتكم في سلم وأمان لخرج من بينكم من انتهت آجالهم وثبت في علم اللّه أتهم يقتلون كما يثبت المكتوب في الألواح والأوراق إلى حيث يقتلون ويسقطون من البراز - الأرض المستوية - فتكون مصارعهم ومضاجع الموت لهم ، فقتل من قتل لم يكن لان الامر ليس كله بيد اللّه بل لان آجالهم قد جاءت كما سبق في علم اللّه ( وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ ) أي يقع ذلك لأجل أن يكون القتل عاقبة من جاء أجلهم منكم ولأجل أن يمتحن اللّه نفوسكم فيظهر لكم ما انطوت عليه من ضعف وقوة في الايمان ، ويطهرها حتى تصل إلى الدرجات العلى من الايقان وقد تقدم تفسير الابتلاء والتمحيص في هذا السياق ( وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ) أي بالسرائر والوجدانات الملازمة للصدور حيث القلوب المنفعلة بها ، والمنبسطة أو المنقبضة بتأثيرها ، وقد يخفى ذلك على أصحابها فينخدعون للشعور العارض لها الذي